حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

104

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

فلا يمكنه إفادة غيره . فدافع الحاجات هو اللّه فلا يستحق العبادة إلا هو وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [ الإسراء : 23 ] . الثانية : تقديم ذكر اللّه تعالى يورث الخشية والمهابة حتى لا يلتفت في العبادة يمينا وشمالا بخلاف العكس . ( يحكى ) أن واحدا من المصارعين الأستاذين صارع بعض من هو دونه ولا يعرفه ، فصرع الأستاذ مرارا فقيل له : فلان الأستاذ فانصرع في الحال وما ذاك إلا لاحتشامه بعد عرفانه . وأيضا ذكره تعالى أوّلا مما يورث العبد قوة يسهل بها عليه ثقل العبودية فوجب تقديمه ، كما أن من أراد حمل ثقيل يقدم عليه دواء أو غذاء بعينه على ذلك ، كما أن العاشق يسهل عليه جميع الآلام عند حضور معشوقه . وأيضا إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [ الأعراف : 201 ] فالنفس إذا مسها طائف الشيطان من الكسل والغفلة والبطالة طلع لها جلال اللّه من مشرق « إياك نعبد » فتصير مبصرة مستعدة لأداء حق العبودية . وأيضا إن بدأ بالعبادة فض إبليس قلبه أن المعبود من هو فيلقي في نفسه وساوس ، أما إذا غير هذا الترتيب وقال : « إياك نعبد » كان بعيدا عن احتمال الشرك . وأيضا الواجب لذاته متقدم في الوجود فيناسب أن يكون مقدما في الذكر . وأيضا المحققون نظرهم على المعبود لا على العبادة ، وعلى المنعم لا على النعمة ، ولهذا قيل لبني إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ [ البقرة : 40 ] ولأمة محمد فَاذْكُرُونِي [ البقرة : 152 ] فذكر المعبود عندهم أولى من ذكر العبادة . الثالثة : النون في قوله « نعبد » فيه وجوه من الحكمة منها : أنه تشريف من اللّه تعالى للعبد حيث لقنه لفظا ينبئ عن التعظيم والتكريم كقوله حكاية عن نفسه نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [ يوسف : 2 ] كأنه قال : لما أظهرت عبوديتي ولم تستنكف أن تكون عبدا ليّ جعلناك أمة إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [ النحل : 120 ] ومنها أنه لو قال : إياك أعبد كان إخبارا عن كونه عبدا فقط ، ولما قال : « إياك نعبد » صار معناه إني واحد من عبيدك ، ولا ريب أن الثاني أدخل في الأدب والتواضع . ومنها أن يكون تنبيها على أن الصلاة بالجماعة أولى قال صلى اللّه عليه وسلم : « التكبيرة الأولى في صلاة الجماعة خير من الدنيا وما فيها » وهاهنا نكتة وهي أن الإنسان إذا أكل الثوم أو البصل فليس له أن يحضر الجماعة كيلا يتأذى منه جاره ، وإذا كان ثواب الجماعة لا يفي بهذا القدر من الإيذاء فكيف يفي بما هو أكثر من ذلك إيذاء للمسلمين من الغيبة والتهمة والنميمة والسعاية وسائر أنواع الظلم ؟ ومنها أن يكون المراد أعبدك والملائكة معي والحاضرون بل جميع عبادك الصالحين . ومنها أن المؤمنين إخوة فكأن اللّه تعالى قال : لما أثنيت عليّ بقولك « الحمد صلى اللّه عليه وسلم رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين »